محطات
«عن أنيس صايغ».. مع فلسطين حتى النّفَس الأخير
نافذ أبو حسنة/ بيروت
يرقّ أنيس صايغ، ويصير طفلاً جذلاً كلما كان موضوع الحديث ذلك البيت «الأسطوري» في طبريا. ومثل كل أولئك الذين غادروا البيوت فسكنتهم، كان يحفظ كل التفاصيل عن المداخل والمخارج وتكوينات الغرف، وطاولة المطبخ المطلّ على الحديقة، التي تشهد إعداد «سندويشات» المدرسة كل صباح. يصف بشغف الطريق من البيت إلى المدرسة، ويتعشق قطرات من ندى صباحي يظل عالقاً على ورقة صفصاف، وظل المشهد معلقاً أمام عينيه.
كنت قد سألت شفيق الحوت، وقد أسهب في الحديث عن يافا: لقد زرتَ وعرفتَ مدناً كثيرة، فهل ما زالت يافا هي الأجمل بالنسبة إليك؟ قال: بمقاييس جمال المدن قد تكون هناك مدن كثيرة أجمل من يافا، لكن يافا تظل بالنسبة إليّ المكان الذي أحبه أكثر من أي مكان آخر، وأحب أن أراه أكثر من أي مكان آخر.
لم أجد ما يكفي من الجرأة كي أطرح سؤالاً مشابهاً على أنيس صايغ. لا أدري لماذا تخيلت أنني قد أتلقى عتباً لمجرد السؤال، أو وضع طبريا في موقع المقارنة مع أي مكان آخر، أمام رجل يحبها إلى حدود الوله بقطرات الندى على أشجارها. ويحلم بأن يستيقظ لصبح واحد في فيء البيت الذي غادره بنظرة وداع طويلة ولم يستطع أن يعاين بعد ذلك عرق كفيه على حجارته، أو بقايا نظرة معلقة لأب أو أم أو أخ على أحد جدرانه.
رحل أنيس صايغ، وقد تنفس فلسطين للمرة الأخيرة، وأحسب أن تفاصيل البيت كانت واضحة تماماً في لحظاته تلك، وربما أطلق تنهيدة إزاء حلم لم يستطع تحقيقه. وإن عاش من أجله العمر كله.
إنجازات خالدة
تجتمع في أنيس صايغ المولود في طبريا عام 1931، صفات كثيرة. فهو السوري والفلسطيني واللبناني، وهو العربي الذي خفق قلبه لكل قضية عربية. وهو الصحافي والأديب والمؤرخ والأستاذ الجامعي والباحث والسياسي والمترجم وصاحب المشاريع الرائدة. حتى يحار المرء من أين يبدأ، وما الذي يمكن أن يضعه في مرتبة الإنجاز الأمثل لأنيس صايغ.
بدأ حياته فاعلاً مؤثراً، منذ أن كان طالباً جامعياً، وعندما كتب مقالاته الأولى وضع الناشر لقب الدكتور أمام اسمه، إذ لم يكن يتصور أن طالباً جامعياً يستطيع أن يتصدى للكتابة في تلك الموضوعات التي طرقها أنيس بعمق لافت للانتباه. وفي بريطانيا طالباً أيضاً، ثم أستاذاً، كان داعية كبيراً لأجل فلسطين بجرأة المفكر وعمقه وموضوعيته. عالم يحاور ويوضح ويناضل، ويتصدى لأشكال تفكير نمطي، وصور مستقرة لدى الغرب عن فلسطين وقضيتها، ولا يعرف الاستكانة.
كثيرون قالوا: لو أن صايغ لم ينجز سوى إصدار الموسوعة الفلسطينية لكفاه ذلك. إذ يجدون أنفسهم أمام عمل ضخم قل نظيره عربياً، ففي أحد عشر مجلداً موزعة على قسمين، جمع كل ما يمكن جمعه عن فلسطين والقضية الفلسطينية، وأوجد إطاراً مرجعياً واضحاً للباحث في تاريخها وحضارتها وجغرافيتها، في آدابها وفنونها ومقاومتها، وصولاً إلى تشكيلات الورد في روابيها. فإذا استكان المتحدث إلى ذلك، انتصب أمامه منجز مركز الأبحاث الفلسطيني، وهو أيضاً مشروع رائد، تعرض الدكتور صايغ بسببه لأكثر من محاولة اغتيال، ذهبت إحداها بعينه وبعدد من أصابع يديه. لكنه لم يتوقف، ولم يسكن الخوف قلبه، بل اندفع للعمل أكثر. ولتتسع قائمة المنجزات الكبيرة فلسطينياً وعربياً: فعن مركز الأبحاث أصدر مجلة شؤون فلسطينية، أحد أكثر مشاريع النشر البحثي والصحافي الفلسطيني جدية حتى الآن. وبعد توقفها، قامت محاولات متعددة لتقليدها لكن أياً من هذه المحاولات لم تستطع أن تدانيها أو تشبهها. ولا يزال يشهد للكتب والكراسات التي أصدرها المركز بالعلمية والموضوعية والجدية التي لم تتوافر إلا نادراً لإصدارات فلسطينية أخرى. وإلى جانب شؤون فلسطينية، اليوميات الفلسطينية التي تُعدّ مشروعاً توثيقياً مميزاً، ومجلات رائدة في مجالها مثل المستقبل العربي عن مركز دراسات الوحدة العربية ومجلة شؤون عربية الصادرة عن جامعة الدول العربية، التي أظهر فيها أنيس صايغ مهارة استثنائية بإصدار مجلة مقبولة من كل دول الجامعة، وزاخرة بالموضوعات الجادة التي تعالج مختلف مشكلات العالم العربي وقضاياه. ومجلة قضايا عربية.
وكان له إسهام كبير في مؤسسة الدراسات الفلسطينية، وفي الموسوعات العربية، والقواميس، إلى جانب عدد كبير من المؤلفات التي كانت وما زالت تمثّل مرجعاً في موضوعاتها. كذلك أشرف على عدد كبير من الرسائل الجامعية، ناصحاً وموجهاً ومصوباً.
في كل نشاطه البحثي والفكري، ظلت فلسطين بوصلته، لا يحيد ولا يناور أو يداور، بل يظهر صلابة في مواجهة أي موقف يلحظ فيه شبهة تفريط أو تنازل، أو تراجع عن الحقوق الفلسطينية والعربية.
وتميز بنقده العلمي والحاد للتسوية باعتبار أنها تنطوي من نقطة البدء على الإقرار بوجود دولة الاحتلال الغاصبة على أرض فلسطين، وهو ما لم يقبله أنيس صايغ أو يتقبله على الإطلاق، مشدداً على أن حال هذه الأمة كلها لن تستقيم بوجود الدولة المعتدية الغاصبة، ومؤمناً بأن الخيار الوحيد المتاح أمامها هو في أن تصمد وتقاوم.
كذلك انتقد بقسوة مظاهر الفساد على اختلاف أشكاله في العمل الفلسطيني. ولم يكن يتصور كيف تستقيم فكرة الثورة مع الفساد السياسي أو الأخلاقي، ونمو ظواهر الاستزلام والمحسوبية والجهوية وغيرها من الأمراض التي اعترت مسيرة العمل الفلسطيني.
روايات متقاطعة
رغم هدوء العالم الرزين، الذي كان طبعاً أصيلاً لدى الدكتور أنيس صايغ، كانت المرارة تكسو حديثه، وتصل به إلى حدود الغضب الشديد، كلما جاء ذكر مصير وثائق مركز الأبحاث الفلسطيني التي دفع في جمعها دماً وعرقاً في آن معاً.
يروي ما يشبه شريطاً خيالياً من منجزات الجهل واللامبالاة، اللذين طبَعا جوانب كثيرة من العمل الفلسطيني. نهب الصهاينة موجودات مركز الأبحاث عام 1982. وبدأت رحلة المطالبة بها التي استمرت سنين طويلة، حتى أمكن استرداد ما لا يُعرَف منها، فقد صدر قرار بنقلها إلى أحد المعسكرات في الجزائر لتمكث هناك من دون ترتيب أو عناية، ولتكون عرضة للعبث. رفع الرجل عقيرته بالصراخ، إلى أن ضاق صاحب «المخزن» ذرعاً بها. وبدأت من جديد إجراءات لنقلها إلى فلسطين حيث قامت «السلطة». تمت عمليات الشحن إلى ميناء أسدود هذه المرة، ولم تجد أحداً في استقبالها. والمضحك المبكي أن ما تسمى «سلطة الموانئ الإسرائيلية» أخذت تراسل السلطة الفلسطينية، كي تقوم بتسلم الطرود العائدة إليها من الميناء دون أن تتلقى رداً. وإلى هنا تنقطع الرواية، إذ لم يكن أنيس صايغ يعرف ما الذي حدث بعد ذلك.
شريط آخر لا يقلّ دلالة. يروي صايغ أنه أثناء توليه رئاسة مركز الأبحاث الفلسطيني، جرى حديث عن أهميته وعمّا يمكن أن يؤديه في الصراع مع العدو الصهيوني. وبدأت طلبات كثيرة تصل إلى المركز، أطرفها على الإطلاق، طلب من مسؤول عربي، حمله سفير ذلك المسؤول يطلب فيها تزويده بقائمة كاملة لعناصر الجيش الإسرائيلي، ضباطاً وصف ضباط وجنوداً. ويريد فيه معلومات ثلاثاً عن كل واحد: رتبته العسكرية وعنوان منزله وتاريخ ميلاده. لأن سيده يريد أن يثبت للعدو أنه يعرف كل شيء عنه وعن قواته المسلحة بوجه خاص، وذلك بأن يبعث لكل عسكري في عيد ميلاده باقة زهور إلى ذويه!!
في مركز الأبحاث اكتشف -على ما يروي- أن المطلوب منه، ليس إدارة مركز أبحاث بكفاية يُشهد له بها، فالأهم من ذلك –ربما- مراعاة «الرئيس» والحرص على طلباته، وتعيين المحاسيب برتبة «مفكر»، وحملة شهادة «الكفاءة» الإعدادية برتبة «باحث أول» يتمتع بالكفاءة وهكذا.
القاسم المشترك بين هذه الروايات، أنها تقدم عيّنات عن الجهل واللامبالاة وانعدام المعرفة، واختيار الأشخاص غير المناسبين «لتوزيرهم» ووضعهم في مناصب فضفاضة على إمكاناتهم الضحلة، وربما الشخصانية الشديدة أيضاً، إذ لا يستبعد أن تكون وثائق مركز الأبحاث قد تركت تتعفن في ميناء أسدود نكاية بالدكتور أنيس صايغ.
وللمفارقة- وربما ليس بمحض الصدفة- فقد استمعت إلى هذه الروايات من صايغ، وهي عينات دالة من حديث طويل، لم يرَ النور للأسف، فقد أجريته لمصلحة مشروع إعلامي فلسطيني، سقط مثل كثير من مشاريعنا في حمأة الجهل والعصبية القبلية الحديثة، واستراتيجية وضع «الرجل المناسب في المكان المناسب» وفق الصيغة العربية المعروفة في تعيين المهندسين الزراعيين وزراء للصناعة.
محارب لم يسترح
ندرة من الرجال ظلت ترى، أن كل ما قامت به لأجل وطنها إنما هو أداء لواجب، قبل أي شيء آخر. ولم تكن لتنظر في ما أنجزت، حتى وهو موقع إعجاب الكثيرين وإشادتهم، بل تتطلع نحو ما يجب القيام به، ولم ينجز بعد. هؤلاء هم الشهداء. ومنهم الدكتور أنيس صايغ. فكلما التقيت به كان لديه إنجاز جديد وتفكير في مشروع آخر، وحثّ على الانتباه إلى موضوع لم يُعالَج، أو قضية لم يجرِ البحث فيها على نحو ما ينبغي له أن يكون البحث والعمل.
لم يتعرف في حياته إلى ما يعرف باستراحة المحارب، وهي دارجة في العمل الفلسطيني، نكداً أو إقصاءً أو عتباً، وربما تحسين شروط. ذلك أنه ببساطة سلك خياراً واعياً وقرر به ومن خلاله أن ينذر حياته كلها من أجل فلسطين، أينما حلّ وكيفما كان. ودون ادعاء من أي نوع، لا بل كان المرء يلحظ ببساطة أن الرجل لا يطرب لمديح، ولا يستكين لقول يحمل الإعجاب بما أُنجز، إذ هو رهن ما نذر نفسه له، وظل كذلك حتى النَّفَس الأخير. فقد رحل وهو يُعدّ كتاباً عن رفيق نضاله اليافاوي البيروتي شفيق الحوت. |