|
مؤتمرات أوروبا وأمريكا لحق العودة
والقيمة الاستراتيجية
ماجد الزير
 |
|
دأبت مؤسسات أهلية فلسطينية في القارتين الأوروبية والأمريكية، على عقد مؤتمرات سنوية في ذكرى النكبة، للتأكيد على تمسّك الفلسطينيين في المنافي بحق العودة وعدم تنازلهم عنه.
لقد أصبحت هذه التجمعات علامة بارزة في النضال الوطني الفلسطيني، في طريقه لاسترجاع الحقوق. فهي ليست مجرد تجمّعات تنقضي؛ بل محطات مهمّة في المجهود الجمعي التراكمي الفلسطيني، الذي يُبنى عليه في رسم صورة لمستقبل فلسطيني منعتق من المحتل. |
تأتي أهمية هذه الفعاليات في دحضها للرؤية الإسرائيلية، التي حاولت عبثاً خلال سني الصراع؛ المراهنة على أنّ تقادم السنين وتباعد الجغرافيا كفيلان بطيّ صفحة القضية للأبد، بالنسبة للفلسطينيين في الشتات الغربي. كما كان الافتراض هو أنّ رغد العيش الذي يمكن أن ينعم به الفلسطينيون في المنافي الأوروبية والأمريكية؛ من شأنه أن يخلق ظروفاً تُفقد الأجيال الجديدة هويّتها، وتسلخ أولئك الفلسطينيين الجدد من جذورهم. فالتعويل كان أيضاً على قوّة الصهر الثقافية المجرّبة في الغرب، في تذويب عُرى الارتباط المتينة مع الأرض والدار اللتين لا تراهما العين. لقد بنى هؤلاء فرضيّاتهم وآمالهم على تجارب اللجوء التي عرفتها بعض الشعوب الأخرى، والتي أُسِّست عليها نظريات وتقديرات لمستقبل الهوية وفرص تبلورها.
وبالقدر نفسه؛ فإنّ حيوية هذه المؤتمرات، تتأتّى كذلك من كونها تساهم في إعادة رسم الأمور في الإطار الصحيح. فهذه الفعاليات هي ردّ بليغ على جهود حثيثة سعت لتزوير إرادة الشعب الفلسطيني، من قبل بعض المحسوبين عليه، والذين ادعوا عدم رغبة الفلسطينيين في العودة إلى مدنهم وقراهم التي هُجِّروا منها سنة النكبة. يبرِّر أولئك إقدامهم على التوقيع على اتفاقات وتفاهمات من شأنها التفريط بالحقوق الفلسطينية، وعلى رأسها حق العودة؛ بالادعاء أنّ الفلسطينيين يريدون ذلك ويبحثون عن خيارات واقعية. كان يُتوقع أن تكون السوق الرائجة لهؤلاء هم فلسطينيو الغرب، بافتراض أنهم الشريحة الأسهل في التخلّص من «عبئها» في طور التعامل مع الشعب كجاليات؛ وليس كوحدة واحدة متماسكة على تعدّد مواقع الانتشار، وفي التعامل مع ملف اللاجئين باعتباره قضية إنسانية مع استبعاد الطابع السياسي ومسألة التاريخي منه.
لا يمكن أن يُستهان في كون هذه المؤتمرات طوّرت حالة من التفاعل مع المجتمعات الغربية، وخاصة في العواصم والمدن التي التأم بها الساعون بدأب إلى العودة. وقد برز ذلك بشكل واضح في مؤتمرَيْ مالمو (الرابع 2006) وروتردام (الخامس 2007) لفلسطينيي أوروبا، عندما صنع الانعقاد الحافل بشعارات العودة وتوجّهاتها؛ حدث الساعة بكلِّ تفاعلاته ومؤشِّراته. لقد نقل ذلك صورة صادقة عن الفلسطينيين في تمسكهم بحقوقهم، أينما كانوا، وشجّع ذلك شخصيات أوروبية ذات وزن على المشاركة في أعمال المؤتمرات وفعالياتها، كرئيس الوزراء الهولندي الأسبق دريس فان آخت، والعديد من النواب، وممثلي القوى السياسية والمجتمعية.
ما يجري تطويره في سياق هذه المؤتمرات وعلى صعيد ترتيب أمور الجاليات الفلسطينية في الغرب؛ بلورة حالة حوار على الصعيد الداخلي، ترمي لاستنهاض أداء الجاليات بشكل شامل، والاهتمام بمساحات عمل جديدة؛ سواء على صعيد المرأة الفلسطينية، أم الشرائح الشابة، أو مع القطاعات الغربية. كما لا نقلل هنا من أهمية تواصل الجاليات مع بعضها، وأهمية التأسيس لبيئة اجتماعية منسجمة ومتعاضدة. لقد ساعد هذا على تمكين جالياتنا من زيادة كفاءتها في النفاذية على أكثر من صعيد في الغرب الأوروبي، وأفرز كادراً قيادياً من الفلسطينيين في أوروبا. وما زال هناك الكثير بالطبع مما ينبغي عمله وتطويره.
لا يخفى أنّ مثل هذه المؤتمرات أوجدت نموذجاً داخل الساحة الفلسطينية لما يمكن أن يكون عليه العمل المؤسسي، وأشاع معه جوّاً تنافسياً محموداً، انعكس إيجابياً على الأداء العام ووتيرة النشاط.
وفي عامنا هذا؛ تزداد أهمية مؤتمرات العودة في الذكرى الستينية، حيث يتصاعد التفاعل مع الأحداث وتتكثف الجهود الرامية لإثبات الذات، مع إدراك الجميع أيضاً أنّ التحدي يبقى قائماً، خاصة مع إعداد الدولة العبرية لأنشطة واسعة للترويج لروايتها المتعلقة باغتصاب فلسطين وصناعة النكبة؛ من قبيل أن تحتفل الجالية اليهودية في بريطانيا بذكرى تأسيس الكيان داخل قصر الملكة وفي ظل تاجها، أي إنّ مياهاً كثيرة تجري في الوادي، وعلى الجميع النهوض بمسؤولياته.♦ |