|
الطريق لا يخلو من العقبات
نساء القطـاع يستخدمن التطريز لمواجهة الظروف الصعبة
فاطمة يوسف - غزة
 |
|
ظروف اقتصادية في غاية الصعوبة تحياها الكثير من العائلات الفلسطينية في القطاع، دفعت الكثير من النساء للبحث عن عمل يحاولن به سدَّ رمق عائلاتهن وتوفير الاحتياجات الأساسية لها، فكانت هوايتهن المفضلة «التطريز» هي وسيلتهن الوحيدة لكسب بعض المال اللازم لتسيير شؤون الحياة المختلفة، لكن طريقهن ليس مفروشاً بالورود في ظل ظروف القطاع الصعبة. |
قادتنا خطانا إلى محل صغير في حي الرمال الراقي بمدينة غزة.. المحل كان مليئاً بالمطرزات المختلفة ما بين أثواب وحقائب وغيرها من القطع المطرزة التي بلغت الغاية في الروعة والإتقان. ما يميز هذا المحل أنك تجد فيه أثواب جميع المناطق الفلسطينية، كما أن قطعه المطرزة يستخدم فيها جميع النقلات والغرز المطرزة لتشعر بأنك في متحف رائع.. يأخذك بداخله الحنين إلى الماضي وذكريات الوطن في ظل حي يمثل الحداثة ليجتمع الاثنان معاً في تناغم غريب..
|
التقينا «أم أحمد» سعاد الغماري (57 عاماً) التي بدأت حديثها بالقول: «لقد افتتحت المحل منذ أربعة أشهر، أعرض فيه جزءاً كبيراً من القطع والأثواب المختلفة التي قمت بتطريزها خلال السنوات السابقة، فقد كنت أعمل سابقاً في محل آخر - لمدة ثلاث سنوات - تملكه سيدة، ولكنها أغلقته بعد أن تعرضت للإفلاس». |
|
 |
وتابعت: «الآن أعرض مطرزاتي في هذا المكان على أن أقتسم العائد المادي بيني وبين مالكه مناصفة».
جولة في عالم التطريز
التطريز وأساسياته كان مدار الحديث بيننا وبين أم أحمد التي قالت: «القطبة «الغرزة» الأساسية في التطريز الفلسطيني هي الفلاّحي التي تأخذ شكل علامة «x».. وهناك غرزة الثمانية «التي تتكون من أربع غُرَز فلاّحي فوق بعضها البعض تأخذ وقتاً أكبر وحيزاً أكبر».. والغرزة المدني «التحريرية» التي يمكن تطريزها باليد أو بالماكنة»، مضيفة: «العمل اليدوي أجمل وأكثر دقة، والطلب عليه أكبر، وكل واحدة تعمل بالتطريز لها إبداعها في قطبة معينة. وقد تتخذ بعض العاملات في هذا المجال موقفاً ضد قطبة معينة ويرفضن التطريز بها.. أما أنا فأجيدها كلها». واستدركت بالقول: «ولكنْ -من وجهة نظري- الغرزة الفلاحي هي الأجمل من ناحية المنظر فهي تبدو كأنها كالرسم وتكون في غاية الجمال».
ووصفت الغماري شعورها وهي تمارس هذه المهنة بالقول: «عندما أنهي تطريز أي قطعة أشعر بالسعادة الغامرة وأسعد بممارسة هذا الفن الراقي حيث أقوم بتطريز النقلات». النقلة: هي استخدام القطب المختلفة الغرز لصنع شكل معين «كالهلالات والأهرامات والمندوب السامي.. التي أحصل على بعضها من الكتب والباقي اكتسبتُه بالخبرة، فأنا أجيد تطريزها جميعاً».
ومضت تقول: «هناك أيضاً السروات التي تختلف بين بلدة فلسطينية وأخرى، ولكن أغلب التطريز يكون بـ«السروة الشامخة» التي تعبر عن شموخ أهل فلسطين، كما أن أكثر لون يستخدم في التطريز هو اللون الأحمر الذي يدل على حروبنا الكثيرة التي يراق فيها الدم الفلسطيني».
أما عن أنواع الأثواب فقالت: «الثوب المجدلاوي هو أغلاها ثمناً، لأن قماشه يصنع بواسطة النول.. ولكن بشكل عام أثواب كل من «المسمية -المجدل -بيت داراس -هربيا –نعليا» متشابهة تقريباً من ناحية الشكل.. فالأثواب الفلسطينية ككل تتطرز من الخلف والجوانب وحافة القبة».
واستمرت بالقول: «أما ثوب العروسة فيكون من قماش الأطلس وتطرز عليه نقلة أهل يافا.. وكانت العروس قديماً تطرزه بيدها.. ونشهد الآن توجهاً من النساء لارتداء هذه الأثواب في حفلة النساء «الحنّة» التي تسبق الفرح».
وعن أجمل ثوب من وجهة نظرها تقول: «الثوب الغزاوي هو الأجمل.. رغم أنني أحب أن أطرّز كل الأثواب»، لافتة إلى أن الناس يشترون الأثواب ليتباركوا فيها. كما أن الذين يعودون من الخارج إلى فلسطين يهتمون كثيراً بالتطريز أكثر من غيرهم.
منذ الطفولة
وعن تجربتها مع التطريز تقول الغماري: «تعلمت التطريز منذ كان عمري خمس سنوات، ولم استمر بممارسته، حيث انقطعت عنه لمدة ثلاثين عاماً كنت خلالها أطرّز لصديقاتي وجيراني بعض القطع، لذلك لم أجد صعوبة في العودة للتطريز بعد هذه المدة، فلم أكن قد انقطعت عنه نهائياً».
أضافت: «كنت خلال هذه الفترة أعمل في تنجيد الأغطية «اللحافات» الذي كان مجدياً اقتصادياً بشكل أكبر من التطريز، فما كنت أحصل عليه من مال نظير عمل يوم واحد يوازي ما أحصل عليه من عمل خمسة عشر يوماً في التطريز».
وتلفت هنا إلى أن التطريز يعلم الصبر ويشجع الإنسان كثيراً على الاعتماد على نفسه وعدم الاتكال على الآخرين، قائلة: «فأنا بدون التطريز كالحداد بدون فحم»، وهذا ما أعانيه الآن حيث بسبب الحصار المفروض على غزة الآن مستلزمات التطريز مفقودة من الأسواق فلا أجد ما أطرزه!».
أحتاج إليه بشدة
عن مدى حاجتها للعائد المادي الذي تحصل عليه نظير بيع القطع المطرزة، تقول الغماري: «أحتاج إليه بشدة فهو مورد رزق عائلتي الوحيد.. فأنا لدي بنت متزوجة وولدان أحدهما يدرس في الجامعة والآخر متزوج وعنده ستة أبناء.. وأنا المعيل الوحيد للأسرة، حيث إن ابنيّ عاطلان من العمل».
ومضت تقول: «وضعُنا المادي في غاية الصعوبة، حيث نحتاج إلى كل قرش يمكنني تحصيله، وكنت في ما مضى أنفق على علاج زوجي الذي كان لمدة أربع سنوات مصاباً بالجلطة وشلل رباعي إلى أن وافته المنية»، معربة عن أملها في أن ينجح مشروعها لتستطيع أن تقي عائلتها ذل السؤال.
هوايتي ومصدر رزقي
أما فاطمة أبو رزق (30 سنة) وهي من مدينة خانيونس، مطلقة وأم لبنت، فحدثتنا عما يعنيه التطريز لها بالقول: «إنني أمارسه منذ سبع سنوات، فهو هوايتي التي أجيدها بجانب بعض الأشغال اليدوية الأخرى، ولكنني أحب التطريز أكثر من أي مهنة أخرى رغم أنني اضطررت لتركه حالياً والاشتغال بعمل الصوف».
أضافت: «لم أدعم عملي في التطريز بالدراسة، رغم أني أجيد تطريز كل النقلات عبر تقليدها من الكتب التي تكون مرسومة فيها ومكتوباً تحتها اسم بلدتها الأصلية.. أقوم بتنفيذ النقلات وفقاً لطلب الناس والنقلات التي أحبها أطرزها لنفسي».
وأردفت بالقول: «التطريز شيء جميل، وأنا عندما أحس بالملل أقوم بممارسته حيث أنفرد بنفسي في جلسة هادئة وأنشغل بالتطريز».
عمل أبو رزق في التطريز لم يكن مفروشاً بالورود، فبعد أن اعتمدت عليه في الحصول على بعض الدخل لتغطية مصروفات المنزل، جاءت ظروف الحصار لتحرمها المال القليل الذي كانت تحصل عليه، وعن ذلك تقول: «كنت أعمل في جمعية وطن لمدة خمس سنوات حيث كانوا يزودونني بـــــالخــيـوط والقمـــــاش، ثـــــم بعــــــد انتهائـــي مــــن التطريز أحصل على أجر عملي.. لقـــــد كــــان مشروعهم جيداً.. كنا نعمـــــــل فـــي الجمعية (هي ومجموعة مـن النساء) ونحصل على بعض المال (100-150 شيكل بالشهر)».
أضافت بحسرة: «الآن لا توجد أموال، وليس هناك دعم يصل للجمعية، فقد تعطل المشروع واضطررنا للبحث عن عمل آخر رغم أنني في أمس الحاجة للعائد المادي الذي كنت أحصل عليه من ورائه رغم أنه مبلغ زهيد»، موضحة بالقول: «أبي عاطل من العمل ووضعنا المادي صعب، حيث لولا ما أحصل عليه من مال نظير عملي لمدّ أبي يده للناس».
دعوة
رغم أن الحدود باتت مقفلة، إلا أن دعم هذا القطاع عبر الطلبات التجارية التي تصل عبر طرق غير مباشرة لطالبيها سيساهم في صمود العاملين فيه، والحفاظ على هذا التراث من الاندثار. ربما كانت خطوة من هذا النوع تساوي الخطط الإنقاذية لدعم قطاع غزة ضد الحصار، فتسجل خطوة إنسانية وسياسية وتتميز عن باقي الخطوات بأنها ستكون حضارية تحافظ على التراث من الضياع والسرقة في المشاريع السياحية الصهيونية، وهذا ما يمكن من خلاله طرق أبواب الأونيسكو والإيسيسكو وغيرها من المنظمات الدولية المعنية بالتراث والفلوكلور.♦ |