مأزق الخطاب الفلسطيني
حسام شاكر
 |
|
إذا كان الانقسام أحد عناوين المرحلة الفلسطينية، فإنّ ما سنكتشفه أنّ الصدع في الخطاب العام غائر في العمق. فالخطاب الذي طالما تصدّر الموقف الرسمي الفلسطيني كان باهتاً للغاية. ومع رحيل الزعامة التي مثّلها ياسر عرفات؛ انقشعت مقولات وشعارات كانت تمثل في الواقع قصبة التنفس الأخيرة للخطاب الرسمي المأزوم والمرتبك. |
لم يتردّد الراحل عرفات، حتى في أوجّ التسوية البائسة، عن الحديث عن استعادة القدس، وقرب «رفع العلم الفلسطيني على مساجدها وكنائسها». فهو، بحسِّه الخاص للمزاج الفلسطيني العام؛ كان يدرك أهمية هذه الإشارات التي جسّدتها اللافتة الشهيرة «لا ولن يكتمل حلمي بدونك يا قدس». فشعارات الميدان مطلوبة في التعاطي مع القلق الشعبي الكامن من مآلات التفاوض غير المتكافئ. وإن لزم الأمر؛ كان «الختيار» مستعداً للصعود فوق الطاولة الرسمية ليردِّد «للقدس راجعين .. شهداء بالملايين»، رافعاً شارة النصر التي احتفظ بها حتى مشهده الأخير.
أما أداء محمود عباس، الذي أمسك بالزمام بعد الفراغ الكبير؛ فلم يعكس أية استمرارية لما مضى؛ سوى في بعض ثنايا الكارثة التفاوضية ربما، التي كان من أبرز مصمِّميها بامتياز. لا مجال في خطاب منظومته الرسمية لـ»الحلم» بفلسطين أو القدس، لأنه كان ولا زال عنوان «مدرسة الواقعية» بكل تطبيقاتها المعروفة. هو رأى أنّ التبشير بـ«الحلم» الذي لا يمكن تحقيقه بالمفاوضات؛ مسألة عبثية. لذا؛ لم تعد الحاجة قائمة للصعود إلى الطاولة الرسمية في رام الله، وإلقاء هتافات عن الشهداء والعودة، فذاك خطاب عفا عليه الزمن، أو هو «كادوك». لنتذكر تلك المفردة الفرنسية، التي تبدو في دلالاتها أشبه بالأحجية، وكيف مثّلت قبيل مرحلة أوسلو أحد عناوين الانعطافة الكبرى في الخطاب الرسمي الفلسطيني؛ من «الثورة» إلى «السلام»، ومن «المعركة» إلى «التفاوض»، ومن «تحرير فلسطين» إلى «إقامة دولة» .. قابلة للحياة.
هذه الانعطافة جاءت حادّة للغاية، ما استدعى ابتداءً نحت مقولات تمثل القنطرة بين خطابيْن؛ من قبيل «سلام الشجعان». لا حاجة اليوم إلى أنياط الشجاعة تلك، لأنّ اجتماعات التنسيق في القدس (حيث يكمن الحلم) لا تستحقها.
في المحصِّلة؛ يبدو الخطاب الفلسطيني العام في مأزق فعلي، إذ تتنازعه الضغوط وتتناوشه التجاذبات. وفي مرحلة تتواصل فيها قوافل الشهداء؛ ينخفض سقف الخطاب الذي يتبنّاه مثقفون وأدباء وفنّانون، كان يفترض بهم أن يرفعوا السقوف الواطئة. بدا وكأنّ ما يجري هو عملية تكييف طوعية تُمارَس للوعي الفلسطيني الجمعي، بالقبول بفلسطين «القابلة للحياة» والكفّ معها عن مواصلة «الحلم». يتوقف ذلك الشقّ من الخطاب العام عند حدود هزيمة حزيران، بل عند أقدام الجدار العنصري. لا مجال لإطلاق البصر لما يتجاوز الخطوط التي قرّرها شركاء التفاوض الإسرائيليون ورسمتها آلة حربهم في الميدان، كما أنّ «العودة» تتحوّل في ذلك السياق إلى كلمة مزعجة ومربكة أكثر من أي وقت مضى.
يسأل بعضهم: ما الفرق بين مقولات متحدثين فلسطينيين قفزوا إلى دائرة الضوء؛ وبعض نظرائهم على الجانب الآخر من الجدار؟!. الواقع أنّ لدينا طائفة من الرسميين تمضي في التعبير عن نزعة التماثل مع بعض النسخ «المعتدلة» من الخطاب الإسرائيلي. فرضية ليس مرغوباً الحديث عنها، وقد تؤكدها دراسة علمية للمحتوى.
معضلتنا أنّ الخطاب الرسمي منهمك منذ عقدين أو أكثر في مسار التراجع، دون أن تعترضه إشارات حمراء من جوقة الثقافة والأدب والفنون؛ إن وُجدت حقاً. فالمغامرون بتحوير الخطاب الفلسطيني وإخضاعه لعمليات إعادة الإنتاج المتوالية؛ يفعلون دون أن يخشوا مقاومة ثقافية صلبة. فلا يتطلّب الأمر أن نكون بارعين كي نستنتج أنّ الخطاب أُدخل قسراً في مراحل عدّة، لكنّ مرحلته الراهنة تبقى أكثرها ارتباكاً.
ينبغي أن يُقال لأصحاب الأقلام والأصوات والمنابر من كل الألوان: لا حاجة لنا إلى خطاب يعجز عن إحداث فارق ما عن ما يقرِّره السياسي المنهمك في تنميق العبارات بين جولات التفاوض. لا حاجة لنا أيضاً إلى من يعجزون عن الاعتراض؛ لأنّ المثقف والكاتب والإعلامي وحتى الأديب؛ يتحوّلون في هذه الحالة إلى نسخ رديئة من الناطقين الإعلاميين الذين يردِّدون بطريقة آلية مقولات ليسوا مقتنعين بها.
منذ أن أفقنا ذات صباح على مشروع بلا أفق؛ اضطرب الخطاب وافتقرنا إلى الأصوات الناقدة، وانكشف الخلل البنيوي في النظم والهياكل المهيمنة. فمع تفكك الظهير السوفياتي والولوج إلى حقبة أوسلو؛ عاش طيف من أولئك «صدمة ثقافية»، تبدّلت معها مواقعهم وتحشرجت كلماتهم وتبعثرت مقولاتهم. فالخطاب «الجديد» الذي بشّر به بعضهم في البدء؛ لم يكن سوى رجع الصدى لقرار سابغ على المنظومة برمّتها، التي هم أبواق لها. هم ملتحقون بمقطورة ما، مع العسكريين الذين جيء بهم من المنافي المبعثرة، ومع الناطقين الذين تحوّلوا من مكاتب «إذاعات الثورة» إلى منصّات الحديث المصمّمة على طريقة البيت الأبيض.
الخطاب الفلسطيني اليوم يمضي بلا «خارطة طريق»، لكنّ الشعب الفلسطيني قادر على فرض مقولاته في نهاية المطاف.♦ |