«العودة» تحاور المناضل بسام الشكعة:
كلنا مسؤول عن فك الحصار عن غزة
اتفاقية أوسلو أنهت موضوع العودة وألغت منظمة التحرير
أجرى الحوار/ ياسر علي
|
«أخ أبو نضال، أين نجلس؟» سألته لدى دخولي غرفته بعد أن فتح بنفسه الباب.
«اجلس حيث تريد، فأنا حرّ على كرسيي المتحرك، وأستطيع الجلوس حيث أشاء!». جلست على كنبة مناسبة لا تتحرك وتقيدت بها، فيما هو كان حراً في حركته على كرسيه المتحرك العالي نسبياً. |
|
 |
في المؤتمر كان هناك أربعة من قيادات المؤتمر، من مبتوري الأطراف، بسبب الإرهاب الصهيوني، ما يذكّر بمقولة: «ناقصو الأطراف ثابتو الرأي»، ولا ننسى في هذا السياق المناضل الراحل جورج حبش، وقبله الشيخ الشهيد أحمد ياسين.
فكم من كاملٍ في رأيه مترددٌ، وكم من مقعدٍ في قومِهِ هو سيدُ..
وبدأ الحوار:
«العودة»: لقاؤنا هذا على هامش المؤتمر الوطني الفلسطيني المنعقد في دمشق، هذا المؤتمر الذي ترأستموه، لماذا الآن وما هي ضرورته؟
اجتمعنا اليوم في هذا المؤتمر، لنؤكد ثوابت الشعب والجماهير الفلسطينية بعد ستين عاماً من النكبة، لأن الحق لا يتقادم أصلاً، حتى يقال إنه لا يسقط بالتقادم.
ويأتي هذا المؤتمر في ظل الانقسام القائم في أوساط الشعب الفلسطيني واستغلال الكيان الصهيوني لهذا الانقسام من أجل تنفيذ اعتداءاته وحصاره الغاشم على قطاع غزة، فيضغط على الشعب الفلسطيني كي يتخلى عن ثوابته ويضيّق عليه خياراته.
ويأتي هذا المؤتمر بعد زيارة بوش التي أعلن فيها على الملأ مواقفه من حق عودة اللاجئين وتقسيم القدس ووضع المستوطنات ويهودية الدولة العبرية، ولم يعترض أحد من الذين التقوه على كلامه، حتى بدا أن الطرف الفلسطيني راضٍ عن هذه المواقف.
لذلك جئنا إلى سوريا لنعقد في دمشق عاصمة الصمود والممانعة، لنؤكد ثوابت الشعب الفلسطيني الحقيقية، رافضين التنازل عنها ومؤكدين (كما لاحظتم في البيان الختامي) أن فلسطين، كل فلسطين من البحر حتى النهر هي حق فلسطين علينا وواجب النضال لاستعادتها بأرضها وعاصمتها وعودة شعبها.
«العودة»: هذا هو المؤتمر الثاني الذي يعقد في دمشق، بعد المؤتمر الأول منذ عشر سنين، الذي بقي يتيماً دون متابعة له أو عقد مؤتمر لاحق، ما الجديد في هذا المؤتمر؟
نأمل في هذا المؤتمر أن يُشكل لجنة متابعة فاعلة (تم تشكيل لجنة المتابعة برئاسة الشكعة لاحقاً)، كي تقوم بواجبها، وكي يكون لهذا المؤتمر أثر وإفادة. ونحن نعوّل على هذا المؤتمر أن يستطيع رفع الصوت في وجه أولئك الذين يقودون المشروع الأمريكي الصهيوني في فلسطين من أجل المحافظة على حقائب السلطة وكراسيها.
كما نطمح إلى أن يكون هذا المؤتمر على مستوى التحديات والمسؤولية والآمال المعقودة عليه من خلال المتابعة والمضي في تعميم بنود بيانها الختامي.
«العودة»: نعود بالذاكرة قليلاً، هل تعتقد باختلاف أساليب المواجهة مع الاحتلال؟ وكيف واجهتموه في السبعينيات؟
فور احتلال عام 1967، شكلنا لجاناً بلدية وقروية للتوجيه فقامت بعمل مذهل، وقادت الجماهير ضد الاحتلال. ففرض الاحتلال الانتخابات البلدية، وجرت الانتخابات في ذلك الوقت، في حين أن شعبنا قاطع هذه الانتخابات، ثم عادت واستقالت المجالس البلدية سنة 1976.
وهذا فتح المجال إلى أن يكون هناك انتخابات جديدة. وكان هناك اتصال معي على أن أترأس قائمة مدينة نابلس فقبلت على اعتبار أنه ما دام هناك وحدة وطنية فإن بالإمكان الوقوف والصمود والتصدي للمخطط الاحتلالي، وهكذا كان.
تشكلت القوائم في مختلف المدن ونجحت وكان الشعار الوحيد «لا للحكم الذاتي نعم لمنظمة التحرير الوطنية الفلسطينية» تجسدت إرادة شعبنا في هذا المجال بشكل واضح. وبالتالي استطاعت المجالس البلدية أن تقوم بمهامها ضمن الشعارين في وحدة موقف المجالس البلدية وبالتالي مسنودة من قبل الجماهير. إلا أن المجالس البلدية أصبح لها تمثيل في النضال الوطني في داخل الأراضي المحتلة، واستطاعت أن تحقق نجاحات على الأرض من تقديم الخدمات حتى منع «إسرائيل» من تنفيذ مخططها الاستيطاني. وكانت مواجهة لـ«إسرائيل» على كامل خطوط الأرضية الوطنية.
لقد كانت مرحلة التوجيه الوطنية تتويجاً للنضال ضد الاحتلال، حيث كان شعبنا ومقاومتنا يواجهان المشروع الصهيوني على جميع جبهاته، فلم يكن رفض الحكم الذاتي رفضاً لشعار، بل رفضاً لكل تطبيقاته على الأرض والمجتمع محتفظة بروح ووعي الانتماء ضد محاولات الفصل والعزل.
«العودة»: هل العقبات التي واجهتموها كانت من الاحتلال فقط، أم من عدة جهات؟
مرحلة لجان التوجيه برأيي كانت أعلى مرحلة النضال الوطني الفلسطيني في ذلك الوقت لأنها كان مرحلة نضال الجماهير. نضالنا الوطني كان دائماً وأبداً مسلوباً ومخطوفاً بقياداته، ولكن في ذلك الوقت كانت القيادة بيد الجماهير بكل ما تعنيه الكلمة، والاحتلال لم يستطع تمرير أي من شعاراته وأي من خطواته، وبقي شعبنا يناضل في مواجهة الاحتلال على كامل الساحة ويواجه كامل المخطط الإمبريالي كالخدمات والسياسة والاستيطان وكان هناك شعارات ومواقف في طبيعة الحال ضد الاحتلال.
بشعبنا قاطع المجالس البلدية التي بقيت مستمرة على أساس أنها تقبل الحكم الذاتي، وبالتالي تسير بالأوامر العسكرية لا بالأوامر المحلية، إلا أن موظفي البلديات قاطعوا أيضاً الدوائر البلدية. المفاجأة أن هناك من أراد استثماراً سياسياً سريعاً لبوادر الانتصار في التحرك، فقام بمحاولة حل الإشكال مع الاحتلال. ووصلتني رسالة من القيادات المتنفذة في الخارج «شوفوا كيف بدكم تجتهدوا حول حلّ لجنة البلديات». فكان الجواب من الأرض المحتلة أنه يوجد شيء اسمه القضية الفلسطينية لذلك حل البلديات يأتي من ضمن القضية الفلسطينية للوصول إلى أهدافنا.
ثم تَفاجَأنا بأن هناك خطاً بين القيادة المتنفذة في تونس و«إسرائيل» وبدأ تعيين المجالس البلدية بالتوافق، وهكذا بدأت عملية الاستسلام. وسنة 1987 قامت الانتفاضة التي استمرت إلى أن بدأت الهيمنة على هذه الانتفاضة والسيطرة على توجيهها إلى أن وصلنا إلى مرحلة أوسلو.
مرحلة أوسلو في الواقع تدعي أن الانتفاضة نصّبتها، والحقيقة أن انتكاسة الانتفاضة التي كانت مخططاً لها هي التي أوصلت القيادة إلى أوسلو، وهكذا وقعنا تحت شعار أوسلو وتداعياتها..
هذه هي مراحل النضال إلى وصولنا هنا.
«العودة»: برأيكم سلطة الحكم الذاتي الآن هل تجدونها تشبه الحكم الذاتي السابق؟
حقيقة هو نفس التوجه، الحكم الذاتي الآن هو نتيجة اتفاقية أوسلو.
«العودة»: في ما يتعلق بحق العودة، يجري الحديث عن عودة إلى أراضي مناطق الدولة الفلسطينية المنتظرة التي وعد بها بوش. كيف تنظرون إلى هذا الموضوع تحديداً؟
الحقيقة أن اتفاقية أوسلو أنهت موضوع العودة، وألغت شيئاً اسمه منظمة التحرير الفلسطينية، وحصرت موضوع السلطة الفلسطينية التي أصبحت سلطة تحت سلطة الاحتلال. فحق العودة كان مفروغاً منه وبديهياً، ولكن الآن واضح أنه عندما يقولون بأن دولة فلسطينية للفلسطينيين ومناطق الـ 48 دولة يهودية، لقد بات واضحاً ما هو الموقف من اللاجئين.. منذ مدة التقيت في عزاء مع أحد مسؤولي السلطة، فسأله بعض الحضور: وماذا يفعل اللاجئون في هذه التسوية، فقال: «اللي بدّو يرجع بقدم طلب لإسرائيل» متجاهلاً أن «إسرائيل» سترفض.. أصلاً، إذا حصلت عودة فلسطينيين في هذه التسوية فستكون تحت مشورة «إسرائيل» في العدد والأشخاص.. لذلك فإن أوسلو مرفوض جملة وتفصيلاً.
«العودة»: واضح أن فكرة إعلان الدولة الفلسطينية الآن من أهم أهدافها شطب حق العودة إلى أراضي الـ48، لأننا نصبح جوالي فلسطينية لا لاجئين؟!
هذا طبيعي، يعني يريدون أن يعوضوا على اللاجئين ليوطّنوهم.. الآن في داخل الأراضي المحتلة في الضفة الغربية من خلال نشاطات بلير، هناك اهتمامات لبناء مدن وهناك شركات استثمارية بدأت في عملية شراء أراضٍ، وبالتالي هم سائرون في المخطط. فضلاً عن أن هناك مشروعاً إسكانياً في غور الأردن من الخليل إلى جنين على أساس أن يكون في إسكانات للفلسطينيين.. وسلام فياض غير مقصِّر في عملية المشاريع المشتركة مع «إسرائيل» على كل المستويات. وسلام فياض حقيقة جاء من أجل أن يصل إلى النتائج. منذ أقل من شهر كان في طولكرم ندوة ضد بناء الجدار في المناطق. قبل أن ينتهى الاجتماع، خرج فياض إلى اجتماع آخر في هرتسيليا للتنسيق في أمور اقتصادية، لدرجة أن المؤتمرين قالوا: «ليش هرب وقت القرارات».. وقد سمعتهم بأذني من المؤتمرين.
«العودة»: كسر الحصار الذي حصل أخيراً كيف تنظرون إليه؟
هذه انتفاضة جماهير، ولكن في كل انتفاضة وكل نضال، هناك تفكيران ومخططان: مخطط القوى المعادية لتفشل الانتفاضة، ومخطط الانتفاضة نفسها كي يكون لها قيادة واعية لتحميها. لانتفاضة غزة مبرراتها، فالوضع بات لا يحتمل، والناس يدافعون عن قُوتهم وحاجاتهم، فحياتهم اليومية مهددة في كل مجالاتهم، فالجماعة قاموا وفتحوا البوابة ودخلوا الجانب المصري وحصل ما حصل وشاهدناه على شاشة التلفاز..
هي انتفاضة جماهير، ويجب أن نكون واعين لتوجيهات القيادة وأن ندعمها وأن لا نقول إنها انتفاضة غزاوية فقط، فكلنا مسؤول عن فك الحصار عن غزة كجزء لا يتجزأ من شعبنا وأرضنا.
«العودة»: هذه نقطة مهمة، ما حصل من انقطاع الكهرباء أعاد إحياء الشارع العربي، إلى أي حد يستطيع استثمار هذا الزخم؟
أتصور شعبياً أن الناس مع انتفاضة غزة، لكن في الضفة هناك غطاء من فصائل وسلطة تدعي أنها وطنية، ممكن أن تفعل شيئاً تتحايل به وتضلل المشاعر الشعبية تجاه ما يحدث في غزة وبالتالي تمتلك إدارتها. بالمقابل يجب أن يكون هناك تفعيل لهذه الجماهير بحيث تفرز قياداتها الحقيقية التي تعين القيادات الحالية المخلصة وتتسلم مشعل القيادة لتأمين استمرارية وطنية من دون تعيين خارجي.
«العودة»: ماذا يقول «أبو نضال» لأجيال فلسطين القادمة؟
قد نحتاج نحن إلى النصيحة، لكني آمل أن تنتج تفاعلات القضية الفلسطينية قيادات شابة تكون على مستوى القضية في تحدياتها القادمة، وأن يحملوا الراية بثبات ويحافظوا على ثوابت القضية، وعلى رأسها حق العودة والقدس وتحرير الأرض والإنسان..♦
|