إعادة نظر
من غـزّة إلى هايتي
بلال الحسن
 |
|
يؤيد الأميركيون «إسرائيل» وهي يسارية عمالية، كما كان الحال أيام بن غوريون وبيريز وغولدا مائير. ويؤيد الأميركيون «إسرائيل» وهي يمينية خالصة، كما كان الحال أياممناحيم بيغن واسحق شامير. ويؤيد الأميركيون «إسرائيل» وهي يمينية عنصرية، كما هي الحال أيام بنيامين نتنياهو ووزير خارجيته أفيغدور ليبرمان. هل يعني هذا أن الأميركيين يؤيدون اليسار واليمين والعنصرية؟ لا أظن ذلك. إنهم يؤيدون فقط أن تكون معادياً للفلسطينيين والعرب، بالرغم من ابتسامات جورج ميتشل المفتعلة والمبالغ بها دونما سبب. |
وبسبب ذلك ينتشر الكره للولايات المتحدة الأميركية في منطقتنا. وبسبب ذلك يولد الإرهاب.
وحين يطلّ الإرهاب الملعون برأسه، لا تجد الولايات المتحدة الأميركية من وسيلة للعمل سوى إعلان الحروب. تضيع السياسة وتغيب، ولا يبقى في الساحة سوى منطق الحرب والحروب. حرب في أفغانستان، وحرب في باكستان، وحرب في العراق، وحرب في فلسطين، وحرب في لبنان، وبوادر حرب تطلّ من اليمن. وكلها حروب فاشلة، لأن أحداً لا يتوقّف ليسأل عن السبب أو المسبّبات. وحين يُقال إن هذه الشعوب تكره الأمريكيين، يكون الجواب حتى في أرقى جامعات أميركا: إنهم يكرهوننا لأننا ناجحون. إنهم يكرهوننا لأننا أقوياء. ولا أحد يجرؤ على القول إنهم يكرهوننا لأننا ظلمة. نظلم الشعوب والدول والأفراد. وبسبب ذلك تكرر السياسة الأميركية نفسها جيلاً بعد جيل، لأن تعليم الخطأ لا ينتج عنه سوى الخطأ. وما دام الظلم الأميركي لا يعترف به أحد، فهو سيتكرر ويتكرر، وينتج عنه ما نشاهده الآن من حروب تواجه أميركا في كل مكان، وتكاد تقضي على قوة مكانتها العالمية.
لقد أطلّ الأمين العام للأمم المتحدة قبل أيام، ليعلن رسمياً مسؤولية الجيش الإسرائيلي عن تدمير المدارس التابعة للأمم المتحدة (مدارس الأونروا) أثناء العدوان المجرم على قطاع غزة. أطلّ ليطالبها بدفع تعويض مقداره 12 مليون دولار. ونحن نسأل: ماذا يختلف تدمير مدرسة عن تدمير مستشفى؟ وماذا يختلف تدمير مدرسة تابعة للأونروا عن تدمير مدرسة تابعة للشعب وللناس؟ التدمير هو التدمير. والمجرم هو المجرم. والتعويض لا بدّ أن يكون شاملاً للجميع ولكل شيء. ولكن ببساطة، تطلب الأمم المتحدة تعويضها عن أملاكها، وتنسى أن تطالب «إسرائيل» بتعويض الناس، كل الناس في غزة، عن أملاكهم ودمائهم وأرواحهم.
والأمين العام للأمم المتحدة، لا يجرؤ أن يدين «إسرائيل»، وأن يطالبها بدفع التعويض، لولا إشارة موافقة من «الأخ الأكبر» الأميركي. وهكذا تكون أميركا حاميةً لـ«إسرائيل»، وممولةً لـ«إسرائيل»، ومشجعة للضغط على «إسرائيل» لتدفع تعويضاً عن جرائمها. عن جزء من جرائمها فقط. لأن يقظة الضمير الأميركي لا يمكن أن تكون شاملة، لأنها إن فعلت، ستتراجع عن كثير من الحروب المعلنة، وسيتغير وجه العالم.
وهناك من بين العرب، من ينتظر من أميركا، وأميركا فقط، لتساعده في حل المشكلات مع «إسرائيل». ولا يجرؤ أحد من هؤلاء أن يفكر، أن المشكلات تأتي من أميركا، ولا يمكن لأميركا بالتالي أن تكون مفتاح حلها. وما لم يتراجع هذا النوع من العرب، الذي ينتظر الخلاص دائماً من أميركا، عن واجهة السياسة، وما لم تولد سياسة عربية جديدة تسعى لانتزاع حقوقها بذراعيها، فإن الأمور ستبقى في المنطقة على حالها. ستبقى أميركا داعمة اليسار واليمين والعنصرية، ثم تقول إنها تدافع عن الديموقراطية، الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، أي «إسرائيل»، التي اشتُهر عنها أخيراً أمران: الأول أنها تحمي كل رجال المافيا القادمين إليها من كل عواصم العالم. والثاني أنها تفرخ عصابات سرّيّة تتاجر بأعضاء البشر. ومن كان لا يصدق ذلك فليتابع أخبار زلازل هايتي. |