الملف
مدارس الأونروا من مراكز التعليم إلى أماكن اللجوء
خليل الصمادي/ دمشق
الزائر لأحد مخيمات اللجوء في سورية ولبنان والأردن وغزة والضفة الغربية، تسترعي انتباهه المباني الكبيرة ذات الألوان البيضاء والزرقاء التي تحمل لوحات زرقاء اللون في أعلاها شعار وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» وتحته مسميات مثل إعدادية صفد، حيفا، يافا، الفالوجة.. أو مدرسة النقب، صرفند، الطيرة، لوبية، عين غزال، الجليل، الطنطورة.. إلخ. وهي أسماء مدن وقرى فلسطينية لجأ أكثر أهلها إلى مخيمات الشتات.
بدأت خدمات الأونروا فعلياً في أيار (مايو) عام 1950. خدماتها التعليمية بدأت في خيام اللجوء، ثم تطورت حتى غدت مباني شاهقة وسط المخيمات، وتعدّ خدمات التعليم من أجَلّ الخدمات التي قدمتها الأونروا في المناطق التي عملت فيها، ولا سيما في مخيمات الشتات في الدول المشار إليها.
الدول المانحة للأونروا
بلغ عدد الدول المانحة للأونروا ثلاث عشرة دولة رئيسية هي «أمريكا والاتحاد الأوروبي، واليابان، والسويد، والنروج، والدنمارك، وبريطانيا، وهولندا، وألمانيا، وإيطاليا، وسويسرا، وكندا»، وهناك دولة عربية واحدة هي المملكة العربية السعودية التي أتى حجم مساعدتها في المرتبة السابعة، إذ بلغت تبرعاتها 10 ملايين دولار عام 1998، وتبلغ ميزانية الأونروا السنوية حوالى 350 مليون دولار أمريكي، وتجتمع الدول المانحة الكبرى سنوياً لإقرار الميزانية التي يستهلك التعليم 49% منها.
مدارس الأونروا
بلغ عدد مدارس الأونروا حتى عام 2005م 654 مدرسة موزعة في سورية ولبنان والأردن وفلسطين المحتلة بشقيها الضفة الغربية وغزة. ففي سوريا بلغ عدد المدارس 115 مدرسة، وفي لبنان 74 مدرسة، وفي الأردن 198 مدرسة، وفي الضفة الغربية 99 مدرسة، وفي غزة 168 مدرسة، وقارب طلاب المدارس نحو نصف مليون طالب، معظمهم في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة، علماً بأن النشاط التعليمي للأونروا بدأ عام 1950 م للمرحلة الابتدائية فقط في 64 مدرسة تضم 41 ألفاً من الطلاب، يعلمهم حوالى 14 ألف مدرس، موزعة في مناطق خدماتها.
أقسام التعليم في الأونروا
ينقسم التعليم في الأونروا إلى أقسام عديدة هي: تعليم ما قبل الابتدائي أي الروضات، التعليم الابتدائي، التعليم المتوسط، التعليم الثانوي، التعليم الجامعي، مراكز التدريب المهنية، مراكز التدريب النسوية.
روضات الأطفال: هي آخر ما أنشئ من مراكز تعليمية وعددها قليل بالنسبة إلى المدارس، وتضم عدداً لا بأس به من أبناء العاملات في مراكز الأونروا وأطفال المخيمات دون سن السادسة. ويقوم بالإشراف عليهم معلمات مؤهلات، وغالباً ما تتقاضى هذه المدارس دون باقي المؤسسات التعليمية الأخرى رسوماً رمزية تتناسب مع دخل أولياء الأمور.
المدارس الابتدائية: هي الأكثر انتشاراً في مناطق خدمات الوكالة، وقد بلغ عدد طلابها أخيراً حوالى 350 ألف طالب وطالبة، ومدة الدراسة فيها ست سنوات في جميع البلدان. وتدرس مناهج الدول المضيفة.
التعليم المتوسط (المرحلة الإعدادية)، ومدة الدراسة فيه أربع سنوات، وقد بلغ عدد طلابه في جميع الدول نحو 150 ألف طالب وطالبة، وتدرس هذه المدارس مناهج الدول المضيفة أيضاً، إلا أنها كانت تمتاز في ما سبق بحصصٍ إضافية في النجارة والفنون الخفيفة لتأهيل طلابها أو بعضهم لمراكز التدريب المهني.
التعليم الثانوي: وهو لم يكن في خطط الأونروا لدى افتتاح مدارسه، واستمرت هذه السياسة خمسين عاماً، إلا أنها كانت تقدم منحاً رمزية للطلاب الفلسطينيين الذين يدرسون في المدارس الحكومية والخاصة، وهذه المنح عبارة عن ثمن المراجع والقرطاسية، وقد توقفت هذه المنح أخيراً وأدى ذلك إلى تشريد عدد لا بأس به من الطلاب خارج المدارس الثانوية، ولا سيما في لبنان، إذ لا تسمح القوانين هناك بقبول الأجانب بأكثر من 10%، والفلسطيني هناك يُعَدُّ أجنبياً. هذا بالإضافة إلى أن بعض مديري المدارس الثانوية في لبنان يرفضون قبول الطلبة الفلسطينيين حتى لو كانت النسبة متاحة.
ونظراً لتفاقم المشكلة وأمام احتجاج الطلبة والأهالي وبعض منظمات حقوق الإنسان، جرى لأول مرة في تاريخ وكالة الغوث افتتاح صفوف ثانوية فيها.
التعليم الجامعي: ينحصر في الكليات التربوية التي تخّرج معلمين ومعلمات لمدارسها، وجرى افتتاح ثلاث كليات، اثنتان في الضفة الغربية وواحدة في الأردن، ومدة الدراسة فيها أربع سنوات يمنح الطالب فيها راتباً شهرياً رمزياً بالإضافة إلى السكن والمعيشة. وقد بلغ عدد طلاب هذه المعاهد حوالى ألف طالب، يتوزع المتخرجون منهم على مدارس الأونروا في المناطق الخمس.
مراكز التدريب المهني: هي محطّ اهتمام الأونروا منذ نشأتها، إذ إنها تُعدُّ عمالاً فنيين مختصين في عدد من المهن اليدوية والتقنية مثل النجارة والحدادة والميكانيك والسباكة والصيدلة والمساحة والإنشاءات الفنية وغيرها من المهن، ومدة الدراسة فيها سنتان، السنة فيها أحد عشر شهراً. وتمدّ هذه المعاهد الأسواق بعدد من المتخرجين الفنيين للعمل والارتزاق، كذلك فإنها ترسل الأوائل منهم للخارج لإتمام الدراسة أو لعقد دورات مهنية لتعزيز الدراسة المهنية، وقد بلغ عدد هذه المراكز منذ إنشائها ثمانية، ثلاثة في الضفة الغربية واثنان في الأردن وواحد في كل من سورية ولبنان وقطاع غزة. وبلغ عدد طلابها حوالى خمسة آلاف طالب عام 2006.
مراكز التدريب النسوية (برامج المرأة): وهي تهتم بتأهيل الفتيات اللواتي لا يرغبن في إتمام الدراسة الثانوية، وذلك بتعليمهن أعمالاً نسائية كالخياطة والتطريز وسائر الأعمال النسوية. وبلغ عدد هذه المراكز حوالى 71 مركزاً موزعين في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين.
مراكز التطوير التربوي: تخضع جميع مدارس الأونروا للمتابعة المستمرة من قبل مشرفين مختصين تربويين وإداريين، ونظراً لكثرة هذه المدارس تم تأسيس عدد من مراكز التطوير التربوي، يجتمع فيها المشرفون لمناقشة أوضاع التعليم ووضع الخطط للارتقاء بالمستوى التعليمي وللمتابعة المستمرة، وفي هذه المراكز يُعقد العديد من الدورات التدريبية المستمرة، ولا سيما خلال عطلة الصيف.
التدريب المستمر
تقوم الأونروا بتدريب بعض المعلمين المحتاجين إلى المزيد من المهارة أثناء العام الدراسي وفي عطلة الصيف، وذلك بعقد دورات مكثفة طوال العام. وتتعاقد كذلك مع بعض الراغبين في الالتحاق بمهنة التعليم ممن نالوا الشهادة الثانوية، شرط خضوعهم لدورات مستمرة طوال عامين دراسيين ينال المتخرجون بعد اجتيازهم الاختبارات شهادات في التأهيل التربوي، ويجري تثبيتهم في المدارس. وقد بلغ عدد المنتسبين إلى هذه المراكز عام 2000 أكثر من ألف متدرب ومتدربة في المناطق الخمس.
المنح الجامعية
تقدم الأونروا بعض المنح الجامعية للمتفوقين من متخرجي المدارس الثانوية ومن الحاصلين على معدلات تفوق 90% وأكثر للمساعدة في إتمام دراستهم الجامعية، وهي عبارة عن مئة دولار سنوياً في حدّ أعلى، وقد تراجعت هذه المنح أخيراً بعد أن قررت الأونروا تقليص ميزانيتها، وذلك بعد أن وصل عدد المنح إلى ألف منحة في مختلف المناطق.
نوادي الشباب
لم يقتصر التعليم في الأونروا على المدارس، بل امتدّ إلى النوادي الرياضية والثقافية والاجتماعية. فقد افتُتح العديد من النوادي الشبابية التي بلغت ثمانية في غزة وسبعة عشر في الضفة الغربية. وتقدم هذه النوادي الأنشطة الرياضية والدورات التعليمية، بما فيها اللغات والكمبيوتر والتقوية في أهم المواد الدراسية لطلاب الشهادات ودورات في الفنون وغيرها. وتنظّم مدارس الأونروا في أغلب المناطق العديد من الأنشطة اللاصفية لطلاب المدارس، وذلك في عطلة الصيف، تعقد فيها دورات رياضية وكشفية وتعليم مهارات الفنون والسباحة وغيرها..
مستوى التعليم في مدارس الأونروا
يختلف مستوى التعليم في مدارس الأونروا من بلد لآخر، وذلك حسب الوضع الاجتماعي والاقتصادي والنفسي للاجئين الفلسطينيين، ففي سورية مثلاً: تُعدّ مدارس الأونروا من أفضل المدارس في سورية، ويحصل متخرجو المرحلة المتوسطة على أعلى الدرجات، وحاز الكثير منهم المركز الأول على مستوى القطر، وبلغت نسبة النجاح أكثر من 93%، بينما كانت نسبة النجاح في المدارس السورية 64% حسب تقرير الأونروا لعام (2003/2004). أما في لبنان، بسبب الوضع المتردي للفلسطينيين فيه، فإن الأمر انعكس على الطلبة وانخفض معدل النجاح كثيراً، حتى لامس 50%، بينما معدلات المدارس اللبنانية مرتفعة.
أما تجهيزات المدارس فهي تضم المختبرات والمكتبات والملاعب ومراكز مصادر التعلم، هذا بالإضافة إلى متابعة المدارس باستمرار من الموجّهين التربويين واطلاع المدرسين على أحدث المستجدات والأبحاث التربوية المستوردة من الدول الغربية. إلا أن الازدحام الشديد في الفصول الذي قد يبلغ أحياناً خمسين طالباً يعوق العملية التربوية، هذا بالإضافة إلى أن جلّ المدارس تعمل بنظام الفترتين، وقد أثّر ذلك على التحصيل العلمي للطلاب، بالإضافة إلى أن تقليص خدمات الأونروا وتقشفها في أكثر خدماتها أديا إلى تراجع هذه المدارس عمّا كانت عليه سابقاً.
خدمات أخرى لمدارس الأونروا
لم يقتصر عمل هذه المدارس على التعليم والدورات ومراكز الأنشطة التربوية والتعليمية خلال العطل الصيفية، بل كانت في كثير من الأحيان مراكز لإيواء اللاجئين الفلسطينيين والعرب. ففي نكسة حزيران عام 1967 افتتحت أغلب مدارس الأونروا في دمشق أبوابها للنازحين السوريين الذين شرّدوا من الجولان المحتل ريثما تمّ إيجاد البدائل السكنية لهم، وفي تموز عام 2006 شرعت مدارس الأونروا في سورية ولبنان أبوابها للاجئين من جحيم الحرب، وقد وجدوا هناك عناية من قبل أشقاء لهم خبرات في النكبات. وأخيراً استقبلت مدارس الأونروا في مخيم البداوي النازحين من حرب مخيم نهر البارد الذين ما زالوا ينتظرون، في مشاريع أخرى للأونروا، عودتهم إلى مخيمهم المهدم.
يشار إلى أن شارع المدارس في مخيم نهر البارد، وهي مدارس الأونروا، قد تلقى ضربة موجعة، إذ تستوعب الأونروا طلابها في المخيم بمدارس حديدية باردة جداً في الشتاء ومثل الفرن تحت شمس الصيف. |