فلسطينيو أوروبا
نحو برنامج وحدوي يفعّل دورها ويحقق المطلوب منها
نضال حمد/ أوسلو*
 |
|
منذ أكثر من عشرة أعوام نهضت الجاليات والفعاليات والمؤسسات والمراكز واللجان الفلسطينية في المنافي القسرية والمهاجر وتجمعات الشتات، معلنة بداية عهد فلسطيني جديد ومرحلة نضالية فلسطينية جديدة لم يسبق أن عاشها هؤلاء أو عرفتها أساليب النضال الفلسطيني لأجل العودة إلى فلسطين. فقد عرف الفلسطينيون هنا أن عنوان المعركة الحالية هو العودة والدفاع عن حق العودة إلى أرض الوطن المحتل. |
ومما عزّز من قوة هذا التوجه فشلُ المشروع الوطني الذي قامت به فصائل منظمة التحرير الفلسطينية. حيث وصلت سفينة المنظمة الى حيث كان يجب أن لا تصل. وصلت إلى ميناء أوسلو ومن هناك أبحرت إلى موانئ العقبة وإيلات وشرم الشيخ.. وغيرها من الموانئ التي توصل إلى كل مكان باستثناء المكان الصحيح؛ أي ميناء الوطن المسلوب.
سوف نجد من يقول إن سياسة قيادة المنظمة أعادت جزءاً من الفلسطينيين إلى غزة والضفة، ونقلت الصراع عبر دخولها إلى جزء من الوطن إلى مكانه الصحيح. هذا صحيح جزئياً، لكن عندما نحسب الأثمان التي دفعها الشعب الفلسطيني من حقوقه وقضيته وأمنه ومستقبله سوف نجد أن هذا الكلام لا يُصلح ما أفسدته السياسات العقيمة والرهانات الفاشلة. لقد كان الثمن باهظاً ومكلفاً. إذ مقابل تلك العودة غابت القضايا الأساسية عن البرنامج السياسي والتفاوضي، وأصبحت من الممنوعات وتكاد تصبح في هذه الأيام الحالكة من المحرمات.
مَن مِن هؤلاء يتحدث عن حق الشعب الفلسطيني بالعودة إلى دياره التي طُرد وهجر منها بالقوة وبالإرهاب؟!
ومَن مِن هؤلاء يستطيع أن يقف ويقول إن السلام لا يمكن أن يتحقق بدون تطبيق القرارات الدولية ذات الصلة باللاجئين والقدس والاستيطان؟!
لقد شرّعت اتفاقيات السلام بين المنظمة والصهاينة الاستيطان أولاً. وغيّبت قضية اللاجئين وميّعت قضية القدس. واستمر الاستيطان في الضفة الغربية والتهويد في الجليل وفي القدس. وجاءت مبادرات وتفاهمات جنيف وإيلات وكامب ديفيد وغيرها لتبرهن أن العجز لم يقتصر على العرب فقط، بل إنه موجود بقوة لدى أطراف فلسطينية متنفذة وأخرى ولدت من رحم أوسلو وشقيقاتها في الساحة الفلسطينية، مما جعل نضال لجان العودة والفعاليات والمؤسسات الفلسطينية في الشتات يزداد حدة ويتسارع كي لا يفوته قطار الزمن.
إن الذي ساهم أيضاً في بروز هذا التوجه لدى الفلسطينيين في أوروبا هو السقوط السريع لبرنامج المنظمة ثم انهيار مؤسساتها أو إلغاؤها مثل الاتحادات الشعبية ودوائرها المختلفة، كذلك تجميد دور المجلس الوطني والعبث باللجنة التنفيذية والاستفراد بالقيادة والقرار. هذا بالإضافة إلى عجز الفصائل المعارِضة عن تقديم البديل العملي المطلوب، فالشعارات ومواقف الرفض والمقاومة المتألقة بدون برامج العمل والتوجهات السليمة والصحيحة لا تستعيد زمام المبادرة ولا تأتي بنتيجة، مما يترك الشعب أيضاً عرضة للقبول بأية حلول قد لا تكون بالضرورة حلولاً عادلة أو شبه عادلة بالنسبة إليه.
في مرحلة ما بعد أوسلو وانفراط عقد مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية ودخولها في دوامة المفاوضات العبثية، وتحوّلها لسلطة شبيهة بروابط القرى أو مجالس البلديات، وبعدما أصبح شريان حياتها وعصب استمرارها معلّقاً على المساعدات والهبات المالية الدولية، صارت التنازلات تتكاثر وتقدم بدون مقابل غير الدعم المادي المحدود والمشروط، مما أظهر الشعب الفلسطيني بمظهر المتسول الذي لا يمكنه الحياة دون تلك المساعدات.
دور فلسطينيي أوروبا؟
في ظل هكذا تحول دراماتيكي في حياة الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية، وفي زمن المخاطر الجسيمة والكبيرة التي تحدق به وبحقوقه المشروعة والعادلة، كان لزاماً على الناشطين الفلسطينيين في أوروبا الذين تحرروا من الأعباء الاقتصادية والعُقد السياسية المتوارثة، والولاء لرؤوس الأموال والسلاطين أن يبلوروا وجودهم في جمعيات ولجان ومؤسسات وفعاليات وجاليات من أجل إبقاء القضية حية، والمحافظة على الحقوق، والتأكيد على القرارات الدولية التي تنص على عودتهم إلى ديارهم بلا شروط. ومن منطلق الشعور بالمسؤولية المتعاظمة والحمل الثقيل تأسست في أوروبا مراكز ولجان العودة ثم الجاليات والمؤسسات والروابط التي أجمعت كلها على أن حق العودة خط أحمر لا يمكن تجاوزه أو القفز عنه. ولا يجوز لأي كائن، سواء كان في القيادة أو خارجها، أن يتفاوض ويقدم التنازلات عنه، لأنه حق لكل فلسطيني ولذريته من بعده. وكذلك لا يجوز لأي فصيل أن يدّعي أنه يمثل الشعب الفلسطيني لوحده أو يفاوض حول القضايا المصيرية لوحده. فالشعب الفلسطيني هو الذي ينتخب ممثليه ويوكلهم بالتفاوض من أجل استرجاع الحقوق لا التنازل عنها.
عندما شعر فلسطينيو أوروبا بالخطر على قضيتهم وحق العودة تقدموا بدعوات لمّ الشمل، فجاء تحقيقها بعقد مؤتمرات العودة لفلسطينيي أوروبا، فكان المؤتمر الأول التأسيسي في لندن ثم الثاني في برلين والثالث في فيينا والرابع في مالمو والخامس في روتردام، وبعد أيام ينعقد السادس في كوبنهاغن بالدنمارك. لقد حققت هذه المؤتمرات قفزات مهمة في العمل الفلسطيني في أوروبا، لكن ما زال أمامها الكثير من المهام الشاقة لتحقيقها وإنجازها وأبرزها مهمة لمّ الشمل ووحدة العمل الفلسطيني في أوروبا، كخطوة على طريق وحدة العمل الفلسطيني في العالم. فالقضية الفلسطينية تمرّ بمرحلة عصيبة والخلافات الفلسطينية - الفلسطينية طاغية على كل تجمعات الفلسطينيين. لذا نجد في أوروبا أن هناك توجهات كثيرة ومؤتمرات عديدة منها ما يعمل على حق العودة ومنها ما يعمل على توحيد الجاليات والمؤسسات في إطار قوي يدافع كذلك عن حق العودة.
شهدت القارة أيضاً مؤتمرات فلسطينية أخرى في مدن وعواصم أوروبية عديدة، مثل مؤتمر برشلونة للجاليات والفعاليات الفلسطينية في الشتات، وقبله جنيف وأوبسالا وبروكسل وفيريندجين وغيرها من الأمكنة.
كل هذه المؤتمرات واللقاءات جاءت نتيجة شعور الفلسطينيين في أوروبا بالخطر الذي يحيق بقضيتهم. وإن الجامع الذي يجمع هؤلاء الفلسطينيين يجب أن يكون بالمقام الأول الدفاع عن حق العودة والتمسك به ومواجهة وتعرية كل من يحاول التفريط به، وكذلك توحيد عمل الفلسطينيين في أوروبا تحت مظلة واحدة إن أمكن ذلك. لكن يبدو أن هذا الأمر ما زال صعب المنال في الوقت الحاضر، ويتطلب المزيد من الحوار والتفاهمات واللقاءات والصراحة والثقة حتى يتم ويتحقق وينجح.
كيف يمكن الفلسطينيين في أوروبا أن يتوحدوا؟
سؤال يبدو للوهلة الأولى سهلاً ويبدو جوابه أسهل. لكن الواقع يقول عكس ذلك. إذ بالرغم من توحد الغالبية الساحقة من فلسطينيي أوروبا تحت شعار «لا تنازل عن حق العودة»، ولا بديل لهم غير الوحدة الوطنية، إلا أنهم على الأرض يمارسون سياسة أخرى، هي للأسف سياسة غير وحدوية. والسبب هو الخلافات التي طالت معظم المؤسسات، وأصبحت تلازم كل طرف من الأطراف بتفاوت. فهناك بعض الفلسطينيين يتهمون البعض الآخر بمحاولة السيطرة على القرار وبرفض مبدأ الشراكة في العمل والقيادة والقرار. وهناك بعض آخر يعمل ضد الآخرين بقرار من قياداته الحزبية والتنظيمية وليس لأجل مصلحة عامة وطنية. هذا البعض هو الأضعف في الميدان. وهو الذي لا يعجبه العجب. هناك فئة أخرى تحاول أن تكون في الوسط بين الجميع وتعمل على تقاربهم لما فيه خير العمل وصلاحه ونجاحه.
يجب علينا القول وبصراحة إن مؤتمر فلسطينيي أوروبا تحمل العبء الأكبر من قضية التعريف باللاجئين والدفاع عن حقهم بالعودة خلال السنوات الخمس الأخيرة. فكان لمؤتمراته أثر في فلسطينيي أوروبا، وكذلك في الميدان الأوروبي. هذا المؤتمر أصاب في أشياء ولم يُصِب في أشياء أخرى. لكن نجاحاته أكبر بكثير من إخفاقاته.
توحيد الجهود
نؤكد على ضرورة استمرار ونجاح دور مؤتمرات فلسطينيي أوروبا في تقريب وتعريف الفلسطينيين ببعضهم، وعلى دورها في تثبيت مسألة حق العودة في الساحة الفلسطينية في أوروبا. ولكن المطلوب من هذه المؤتمرات أن تقدم مبادرات جديدة، وأن تكون عاملاً مساعداً على التقارب من أجل المصلحة العامة. وبالقدر نفسه، هذا الأمر مطلوب من كل فلسطيني يريد العمل لأجل وطنه وقضيته ومصلحة شعبه. إذ لا يمكن الفلسطينيين في أوروبا أن يشكلوا قوة معقولة تستطيع الدفاع عن قضيتهم وحق العودة بالمقام الأول، وأن يكونوا قوة تواجه اللوبي الصهيوني ومن معه بدون التفاهم والالتقاء والاتفاق على برنامج وحدوي يضعون فيه نقاط الخلاف جانباً ويتفقون على نقاط الالتقاء.
حين يتم ذلك يصبح لهم وزن أكبر وتأثير أفضل وقوة فاعلة يحسب حسابها. ولا نرى أن هذا الشيء صعب التحقيق في حال توافر النية لدى الجميع، بشرط أن تبتعد الممثليات والسفارات الفلسطينية في أوروبا عن التدخل في شؤون الجاليات، إذ فور ابتعادها سوف نرى أن إمكانية الوحدة موجودة ومتوافرة وممكنة، لأن التجربة علمتنا أن تلك السفارات لعبت -وبعضها ما زال يلعب- دوراً سيئاً وأحياناً بشكل مباشر في تعزيز الخلافات داخل الجاليات والمؤسسات الفلسطينية في أوروبا. تماماً كما حصل بداية هذا العام مع الجالية الفلسطينية في النرويج ومحاولة تشويه سمعة رئيسها لأنه مستقل ولا يأخذ قراراته من السفارة أو غيرها. فبدلاً من أن تمارس السفارات أدوارها الغائبة والمفتقدة في الدفاع عن القضية الفلسطينية، ومواجهة اللوبي الصهيوني، نجدها –للأسف- تضع نفسها في مواجهة الفلسطينيين في أوروبا وبالذات الذين لا يخضعون لسيطرتها وهيمنتها.
المطلوب من الجميع أن يرتقي الى مستوى المسؤولية وأن يتجه نحو إنجاح أي عمل فلسطيني يدافع عن حق العودة ويعزّز دور الفلسطينيين في أوروبا، وأن يبتعدوا عن الخلافات السياسية والشخصية والحزبية والفصائلية. فتوحيد العمل في الميادين الأوروبية شيء كبير ومطلب جماهيري فلسطيني، كما أنه مطلب ملحّ للمؤيدين والمناصرين والمتضامنين مع الشعب الفلسطيني من الأوروبيين.
برنامج عمل
نعتقد أنه يمكن البدء بالاتفاق على البرنامج التالي:
1- لقاء يجمع ممثلين عن كل أو غالبية المؤسسات والفعاليات والمراكز واللجان الفلسطينية الفاعلة والمسجلة والمؤثرة في أوروبا. وإذا كانت هناك إطارات أو مظلات جامعة لمؤسسات عديدة مثل مؤتمر فلسطينيي أوروبا أو مؤتمر برشلونة أو غيرهما يمكن البدء بحوار جاد ومسؤول بين هذه الأطراف، يخرج عنه اتفاق برنامج حد أدنى للعمل المشترك. لا يلغي هذا البرنامج برامج عمل أي طرف من الأطراف.
2- برنامج اللقاء: تطبيق خطة عمل على القضايا المتفق عليها، مثل حق العودة والخطاب الإعلامي وإقامة نشاطات موحدة في مناسبات معينة (النكبة، يوم التضامن العالمي مع شعب فلسطين، ذكرى الانتفاضة.. إلخ) وبشعارات موحدة. لأن الشعارات الموحدة تنبذ الخلاف وتعزز التفاهم وتساهم في التقارب وتعطي دفعة للأصدقاء والأنصار الأوروبيين.
3 – الاتفاق على تشكيل لجنة متابعة وتنسيق.
أخيراً نقول: العودة حق، وحق العودة لا يذهب لأن وراءه ملايين من المطالبين به..
* مدير موقع الصفصاف الإلكتروني ورئيس الهيئة الإدارية للجالية الفلسطينية في النرويج |